سهيلة عبد الباعث الترجمان

192

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وقد تعاقب شيوخ التصوف خلال القرون الثلاثة وما بعدها في مدرسة بغداد كمعروف الكرخي وبشر بن الحارث والمحاسبي والسري السقطي وأبو سعيد الخراز والجنيد والحلاج والشبلي وغيرهم وأعقب ذلك الغزالي فلم يقبل من التصوف إلا ما كان متمشيا مع الكتاب والسنة . كما ظهر صوفية كبار كوّنوا لأنفسهم طرقا لتربية المريدين منهم الرفاعي والجيلاني وغيرهم . هكذا كان شأن الصوفية الأوائل من المسلمين وقد ظل امتداد ذلك حتى عصر ابن عربي في القرن السادس هجري ، ولقد تأثر ابن عربي تأثرا بالغا بآراء وأقوال هؤلاء الرجال من كبار الصوفية الأوائل في مختلف المجالات ، متأثرا بأحوالهم ومقتفيا لآثارهم . وتعتبر السنوات الثلاثون الأولى من عمره التي قضاها في الأندلس هي الفترة التي تمّ فيها تكوينه الصوفي حيث كانت أعظم مركز للتصوف ، فقد ظهرت فيها طائفة جديدة نسجت على منوال المتصوفين المشرقيين وذلك حوالي سنة 450 ه في مدينة المريّة ، وهي أعظم مركز للتصوف في الغرب ، ومنها انتشر في جميع أنحاء الأندلس وخاصة إشبيلية وقرطبة وغرب البرتغال ، وكان لا يعدو ضربا من الزهد والمجاهدة ، عرفته طائفة من النسّاك ليس لهم إلمام بالفلسفة ، وإن كان لبعضهم شيء من الإلمام بمذاهب المتكلمين والثقافة الإسلامية عامة . وقد ظهر في إشبيلية المتصوف الكبير أبو الحكم بن برّجان المتوفي سنة 536 ه ، وفي المريّة أبو العباس بن العريف الذي كان شيخ الصوفية هناك ، وهو صوفي باطني مات في السنة التي مات فيها ابن برجان ودفن بجواره . وكان في قرطبة الشيخ أبو بكر المايورقي الذي كان إماما في الحديث والفقه وزاهدا وصوفيا كبيرا « 1 » . استمر التصوف أكثر من قرن أي من سنة 450 ه إلى سنة 560 ه يمر بدور انتقالي يتعاقب عليه رجال الصوفية ممن ذكرناهم كابن برّجان وابن العريف والشيخ أبو القاسم بن قسي رئيس طائفة المريدين إلى ظهور محي الدين بن عربي الذي جنى ثمار كل ذلك « 2 » . إضافة إلى أنه في هذه الفترة بدأ فيها تقبل الأندلسيين للفكر الفلسفي الذي لم يلبث أن أنجب عددا من الفلاسفة أمثال ( ابن طفيل ت 531 / 1136 )

--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، من أين استقى ابن عربي ، ص 2 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 3 .